ابن عجيبة
11
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
من العلماء باللّه وأوليائه . نقل عن الصالحين أن اللّه تعالى لمّا أنزل على سيد العالمين صلى اللّه عليه وسلّم قوله تعالى : ( كهيعص ) قال جبريل عليه السّلام : ( ك ) قال النبي - اللهم صلى عليه - : عرفت قال جبريل عليه السّلام : ( ه ) ، قال : - اللهم صلى عليه وآله - عرفت ، قال جبريل : ( ى ) ، قال : عرفت ، قال : جبريل : ( ع ) قال : عرفت ، قال جبريل : ( ص ) ، قال النبي : عرفت ، قال جبريل : عرفت وأنا لم أعرف ، سبحان من أعطاك . ومن هنا فهم أبو بكر الصديق رضى اللّه عنه وحده مقالة الرسول - عليه الصلاة والسلام - حين نظر إليه ، وقال : ( أتذكر يوم لا يوم ) ؟ فقال نعم ، ولم يفهمها غيره من الصحابة الحاضرين . ولما سئل الصديق رضى اللّه عنه عن ذلك ، قال : « إنه يوم الميثاق » . ولا عجب فيما ينكشف لأرباب الإشارات من فيوض في قرآن الله ، أو حديث رسوله - صلى الله عليه وسلم - ، فمازال المفسرون يتجدد لهم في كلام الله كل يوم معان لم تسبق ، لا ينكرها الناس ، بل إليها يستريحون ، ففيم الإنكار على أرباب الإشارات ، وهم عن الله مشاهدون ، ولهم منازلات ومقامات ، فيتكلمون بما يشاهدون في منازلاتهم ، وينطقون عما يرون في مقاماتهم ؟ أجل : معذور من ينكر عليهم ، لأنه لم يذق ما ذاقوا ، فلو ذاق لعرف ، وينبغي ألا يغيب عنه أن تلك الإشارات بمثابة اصطلاح يفهمه أهل التحقيق ، ولا يجدر أن يعارضهم في اصطلاحهم اصطلاح جماعة أخرى ما دام لكلّ اصطلاحه . فالحق أن كلام الله نور يرسل إلى القلوب ، وهي أوعية يتلون ذلك النور بلونها . . وكلّ يرسل بتفسيره شعاعا حسب استعداده وقابليته وما استودع فيه . على أن أهل التحقيق لا يدعون أنه محال على غيرهم ما يفاض به عليهم ، ولكنهم يعتقدون أن كل إنسان لديه الاستعداد لما عندهم ، غير أنهم فتحوا عيون قلوبهم ، فاطلعوا على ما اطلعوا من أسرار ، وغيرهم فتحوا نوافذ تفكيرهم فوقعوا في الحيرة والوهم ، وقاسوا بعقولهم مذاقات تلك القلوب فأنكروها ، ولو أن عيون قلوبهم كأهل الله ، لكان ما استغربوه أمرا عاديا ، بل لاعتقدوا اعتقادا جازما ما أنكروه . فليع كلّ ذي لب قدر هؤلاء الصفوة من أهل التحقيق ، وليدرك أنهم ملهمون إن نطقوا ؛ فلا ينطقون بأنفسهم ، وإن أشاروا فمحرّك الإشارة فيهم مولاهم . وارجع إلى الصدر الأول من عصر المسلمين الزاهر ، تجد أن من أئمة هؤلاء الملهمين سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، والذي قال فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : « إن من أمتي مكلمين ومحدثين ، وإن عمر منهم » . ومنهم الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، الذي أشار إلى صدره بعد أن تأوه مرتين ، ثم قال : « إن هاهنا علوما جمة . . لو وجدت لها حملة ! ! » . ويروى عنه أنه قال : ( لو شئت لأوقرت من تفسير الفاتحة سبعين بعيرا ) ، أولئك هم